علي محمد علي دخيل
10
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الذين يعدون الفساد صلاحا هُمُ الْمُفْسِدُونَ وهذا تكذيب من اللّه تعالى لهم وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ يعلمون ما يستحقونه من العقاب . 13 - المراد بالآية وَإِذا قِيلَ لَهُمْ صدّقوا بمحمد ( ص ) كما صدق عبد اللّه بن سلام ومن آمن معه من اليهود قالوا : أنصدّق كما صدق الجهال ؟ ثم كذبهم اللّه تعالى وحكم عليهم بأنهم هم الجهال في الحقيقة ، لأن الجاهل إنما يسمى سفيها لأنه يضيع من حيث يرى أنه يحفظ ، فكذلك المنافق يعصي ربه من حيث يظن أنه يطيعه . 14 - وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا يعني أن المنافقين إذا رأوا المؤمنين قالوا : آمنا أي صدقنا نحن بما أنزل على محمد ( ص ) كما صدقتم أنتم وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ هم اليهود الذين أمروهم بالتكذيب قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ أي على دينكم إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أي نستهزئ بأصحاب محمد ( ص ) ، ونسخر بهم في قولنا آمنا . 15 - قوله اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ يجازيهم على استهزائهم ، والعرب تسمي الجزاء على الفعل باسمه ، وفي التنزيل : وجزاء سيئة سيئة مثلها ، وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ يريد أن يملي لهم ليؤمنوا وهم مع ذلك متمسكون بطغيانهم وعمههم . 16 - أشار إلى من تقدم ذكرهم من المنافقين فقال : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ومعناه : استبدلوا الكفر بالإيمان وقوله : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ أي خسروا في استبدالهم الكفر بالإيمان ، والعذاب بالثواب وقوله : وَما كانُوا مُهْتَدِينَ أي مصيبين في تجارتهم كأصحاب محمد . 17 - مَثَلُهُمْ أي مثل هؤلاء المنافقين لما أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً أي أوقد نارا ، أو كمثل الذي طلب الضياء بإيقاد النار في ليلة مظلمة فاستضاء بها واستدفأ ورأى ما حوله ، فاتقى ما يحذر ويخاف وأمن ، فبينا هو كذلك إذ أطفئت ناره فبقي مظلما خائفا متحيرا ، كذلك المنافقون لما أظهروا كلمة الإيمان واستناروا بنورها ، واعتزّوا بعزّها فناكحوا المسلمين ووارثوهم ، وأمنوا على أموالهم وأولادهم ، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف ، وبقوا في العذاب ، وذلك معنى قوله : فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ومعنى إذهاب اللّه نورهم : هو أن اللّه تعالى يسلبهم ما أعطوا من النور مع المؤمنين في الآخرة وذلك قوله تعالى فيما أخبر عنهم : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً . 18 - قال قتادة : صم لا يسمعون الحق ، بكم ، لا ينطقون به ، عمي : لا يبصرونه ، فهم لا يرجعون عن ضلالتهم ولا يتوبون وإنما شبّههم اللّه بالصم لأنهم لم يحسنوا الإصغاء إلى أدلة اللّه تعالى فكأنهم صم ، وإذا لم يقروا باللّه وبرسوله فكأنهم بكم ، وإذا لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض فكأنهم عمي . 19 - مثل هؤلاء المنافقين في جهلهم وشدة تحيرهم كَصَيِّبٍ أي كأصحاب مطر مِنَ السَّماءِ أي منزل من السماء فِيهِ أي في هذا المطر ظُلُماتٌ لأن السحاب يغشي الشمس بالنهار ، والنجوم بالليل فيظلم الجو وَرَعْدٌ هو صوت اصطكاك أجرام السحاب . قوله : وَبَرْقٌ قيل : انه نار تنقدح من اصطكاك الاجرام ، وفي تأويل الآية وتشبيه المثل أقوال ( أحدها ) انه مثل للدنيا ، شبّه ما من الشدة والرخاء بالصيب الذي يجمع نفعا وضررا ، وان المنافق يدفع عاجل الضرر ولا يطلب آجل النفع وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ أنه عالم بهم فيعلم سرائرهم ويطلع نبيّه على ضمائرهم .